الشيخ محمد رشيد رضا
43
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أي المبالغين في الطهارة الروحية والجسدية ، وانما يبالغون فيها إذا أحبوها ، وحينئذ تكمل انسانيتهم المؤلفة من الروح والجسد . ولا يطيق نجاسة البدن وقذارته إلا ناقص الفطرة والأدب ، وأنقص منه من يطيق خبث النفس بالاصرار على المعاصي والعادات القبيحة ، والتخلق بالأخلاق الذميمة . دع رجس المنافقين المرائين في الاعمال ، الاشحة الباخلين بالأموال . وأما حب اللّه المستحقين لحبه ، فهو من صفات كماله ، لان العالم بتفاوت الأشياء في الحسن والقبح ، والكمال والنقص ، يكون من أفضل صفاته حب الجمال والكمال والحق والخير وبغض اضدادها وكراهتها . وحبه اللائق بربوبيته منزه عن مشابهة حبنا ، كتنزه ذاته وسائر صفاته عن مشابهة ذواتنا وصفاتنا ، ولكن يظهر أثره في المحبوبين من عباده في أخلاقهم وأعمالهم ، ومعارفهم وآدابهم ، وأعلاه ما أشار اليه حديث البخاري القدسي « ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » الخ « 1 » وقد قال اللّه تعالى معللا ما وعظ به نساء نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم من أمره ونهيه لهن بما يليق بمكاتهن من رسوله ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وقد فسر بعض المفسرين محبته تعالى للمطهرين برضاه عنهم واحسانه إليهم ، وهو تأويل فسر به اللفظ ببعض لوازمه ، فإن كان هربا من نظرية من قال من المتكلمين ان اتصاف اللّه تعالى بالحب محال ، لأنه انفعال نفسي يستحيل على ذي الجلال ، فيجب تفسيره بلازمه المذكور كما قال بعضهم في الرحمة وغيرها من الصفات - فهو هروب من مذهب السلف الحق ، ووقوع فيما فروا منه بالتأويل ، وهو تشبيه اللّه بخلقه . إذ يقال لهم إن الرضا عاطفة نفسية كالحب ، والاحسان عمل بدني كبسط اليد بالبذل ، وهما يسندان إلى الناس فلا يصح أن يوصف بهما الخالق عز وجل ، لأنه تشبيه له بالخلق ، وكذا العلم والقدرة والمشيئة والكلام ، وغيرهما من صفات الذات ، فان كلا منها وضعت في اللغات ، لمعانيها المعروفة في المخلوقات ، ككون العلم صور المعلومات المنتزعة منها في الذهن ، وهو بهذا المعنى محال على اللّه عز وجل . وإذا كان الامر كذلك فالحق أن يوصف تعالى بما وصف به نفسه على ظاهره بقيوده
--> ( 1 ) راجع هذا البحث في ص 239 ج 10 تفسير